أنا إنسان بسيط، عربي النزعة سوري الإنتماء، أبلغ من العمر الآن أربعين سنة كاملة , عشت منها عشر سنوات فقط في ربوع وطني الحبيب, وثلاثون سنة عشتها خارج البلاد, لم يمنعني ذلك يوما أن افخر بولائي لوطني أو إنتمائي لهويتي، فعاشت سوريا بداخلي ،فرحت لفرحها وحزنت لحزنها وتألمت لألمها، ويعلم الله أني لم أقدم يوما على القيام بعمل يحط من كرامة أمتي , ولم أتوانى عن الدفاع عنها ظالمة كانت أو مظلومة .
كنت أقوم بزيارة لحلب مدينتي الصيف الماضي عندما التقيتك صدفة خلال تجوالك بأحياء حلب القديمة، وألقيت التحية عليك وسط جمع من الناس الذين كانوا يتابعوك ويصافحوك بكل محبة، فسعدت جدا بهذا اللقاء لأني وجدت فيك الإنسان القريب من حالنا وهمومنا , الإنسان الذي يحادث أخيه الإنسان وهو يقف بجانبه ،لا من شرفة قصره العالي أو من وراء الحجب .
قد لا أكون ملمآ بشوؤن السياسة والإقتصاد، لكني اتابع قدر المستطاع، وادرك أن هناك خللآ ما، أدرك أن وطني ليس بخير وأن ابناءه يعانون، يلهثون وراء لقمة العيش فلا يدركوها، ويفنون العمر لتامين مسكن يأويهم فيموتون دون ذلك , وشباب يملؤن الطرقات باحثين عن فرصة عمل فلا يجدوها إلا خارج الوطن .
أنت طبيب وشاب وتدرك معي أن عجلة الحياة تدور للامام ولا تعود للخلف، فما يكون مبررآ في زمن ما يصبح جريمة في زمن آخر، وسياسة كم الأفواه صراحة لم تعد مجدية، لأنك تعرف ان الكلمة التي كانت تمر سنين لتصل مسمع مخلوق ما بات يلزمها ثواني لتصل مسمع مليارات، والفارق مذهل ، وغريب أن نتأنق بأحدث البذلات ونحن نلبس عمامة الجاهلية .
لا أجد مانعآ أن تكون أنت رئيسا لوطن أنتمي إليه بكل جوارحي، لكن أريد وطنا أتمناه وأحلم به لي ولأبنائي، وطن القيمة العليا فيه للمواطن الفقير قبل الغني، وطن حر يشجع الكلمة ولا يقتلها ، يقبل الرأي الآخر مهما كان معاكسا ولا يقمعه ،يصون كرامة أبناءه في الوطن والمغترب، ويتابع قضاياهم ويقتص ماإستطاع ممن يوقعون بهم الأذى، والأمثلة كثيرة، وطن يكون لأجهزته الامنية السلطة للإقتصاص ممن يحيكون المكائد لأذية أبناءه، وليس أجهزة لا تعداد لها تصل الليل بالنهار وهي تسجل وتعد أنفاس الناس وهمساتهم وتزرع الطرقات مانعة تجمع هنا ورفقة هناك .
لست أفلاطون، ولا أريد مدينة فاضلة، لكن المقاربة هي نصف الحل، فرفع للأحكام العرفية تعيد للإنسان بعض كرامته المسلوبة، ورفع يد الأجهزة الأمنية عن رقاب الناس تردم الهوة بين المواطن والدولة أكثر فاكثر،وكف يد السارق مهما علا شأنه تعيد للشباب الأمل بفرصة عمل داخل مؤسسة أنهكها الإختلاس والنهب . وغربلة النظام القضائي وإقصاء القضاة المرتشين والمنتفعين تعيد بعض الحياة لميزان العدل النائم في أروقة المحاكم.
قد لا يكون العمل على هذه الامورممكن بين ليلة وضحاها، لكن السير بهذا الإتجاه مطلوب دون تأخير،ولنا فيما يجري حولنا عبرة وأمثلة بليغة ،فالقمع الذي مورس على الشعوب المنتفضة جعل من العاصفة إعصار ،والحلول التي تتقنها أجهزتها فشلت فإنقلب السحر على الساحر، وأنا والله لا أتمنى أن نكون بفعلنا وردات فعلنا نسخة عما يجري حولنا، فلم لا نتحرك قبل فوات الأوان ؟.
ألا يكون السعي لحل مشاكل الناس والتماس مكامن الخلل في نظامنا والسعي لرفع الظلم عن كاهل الشعب والسماح بالكلمة الحرة الخارجة من فم مهموم أومظلوم هوهروب نحو الحل؟ فتصبح الجماهير حلقة متصلة تحمي سياج الوطن وتصونه.
مللنا التورية وتسمية الأمور بغير مسمياتها، وآن الأوان لأن نفضح الفاسدين المتلطين خلف المناصب والمجرمين الجالسين خلف مقاعد الإدارات يحصون المليارات المنهوبة من أرزاق هذا الوطن، ونكف يد رجل الأمن الذي إستباح حرية وكرامة الإنسان في تفسير غريب لصلاحياته وحدوده .
في نقاشاتنا خارج الوطن مع رفاقنا من أوطان أخرى ،نتهم دائما بأننا لا نتجرأ على البوح بهمومنا الأممية إلا بما يسمح لنا الرقيب الحسيب بذلك ،فننكر ذلك عليهم ،فنقول أن ما كنا نخشى التفكير به بتنا نقوله الآن وربما يوما ما سنقول ما نخشى التفكير به اليوم ،يبدوا أننا نحصل على الحرية ،لكن بكميات إختبارية!
سامحني سيدي الرئيس لكن الشوق يقتلني لأن أقول أني أريدك للأني أريدك لا لأني بين يدي الجلاد ولزام علي النطق بعبارت التمجيد والطاعة ومرادفاتها.
